إعلان

البقرة التي أنقذتني!

سمير محمود

البقرة التي أنقذتني!

08:08 م الأربعاء 28 يونيو 2023

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم: سمير محمود

فجأة ودون ترتيب أو تدريب مسبق وجدتني جزارًا يحمل سكينًا وعليه أن يذبح أضحيته ويقطعها إربًا إربًا، ولا يكتفي كالسابق بأن يشهد ذبحها!

هكذا يفعلون في عيد الأضحى المبارك، فلما لا تفعلها يارجل؟، سألت نفسي، أنا الذي فشلت في إبدال لمبة المطبخ التالفة، وبالكاد أغلقت محبس المياه العمومي بالشقة، حين فشلت في إصلاح وإيقاف تسريب حنفية الحمام، ولا أنسى قبل ذلك تعثري الشديد، وغرقي في بحور العرق حين شرعت في إعادة درج تسريحة غرفة الملابس الذي خرج عن طوع المدام، وقرر تغيير مساره، فانفتح ليكشف كنزًا عشوائيًا من الإكسسوارات ومستحضرات التجميل وأدوات تصفيف الشعر، كانت في حالة عراك شديد مستورة طالما كان الدرج في مكانه، أما وقد تمرد وخرج وظل بطنه مفتوحًا لأيام، لم تفلح معه محاولاتي البائسة اليائسة في فض الاشتباك بين محتوياته، أو ستر خلافات مستحضرات التجميل مع السلاسل وأمشاط وفرشات الشعر، لدرجة عثرت على بعض المشابك المعدنية وقد طعنت الفرشاة وأبت أن تخرج إلا وقد عقرت بطنها، وظل الحال هكذا لأيام، والدرج مفتوح، والمدام تردد بامتعاض: هتعرف تصلحه ولا زي كل مرة، أنت مش فالح في حاجة خالص!

تركت هذه الهواجس المتكررة، والمعارك القديمة الخاسرة، واستجمعت كل قواي أمام تجربة جديدة لا تحتمل الفشل!

أن تصير جزارا بإرادتك، هذا شيء لطيف، تحاول أن تسيطر على ذبيحتك، وتتمكن منها، فتصيب السُنة، وتصبح قادرًا على أن تفلح في شيء حيوي ومهم، فتمحوا للأبد أصداء مزاعم المدام: أنت مش فالح في حاجة خالص!

الأضحية جاهزة، بقرة في كامل هيبتها، والمكان جاهز، والسكاكين كذلك، فماذا تنتظر يا بطل؟

تذكرت حين كانت والدتي تستعين بي لتقطيع قطع لحم كبيرة إلى أجزاء صغيرة، وتعبئتها في أكياس، مجرد قطعة لحم كبيرة زنة خمسة أو عشرة كيلوجرامات أو ما شابه، مجرد قطعة لحم ساكنة لا تتحرك، لا قرون لها ولا أرجل، فلا تجري ولا تقفز، لا تهاجم ولا تنطح ولا تهرب، كم كانت المهمة مع أمي شاقة وممتعة، تمسك هي السكين وأقوم أنا بتثبيت قطع اللحم، يتخلل هذا أحاديث تلين كل الصعاب وتذيب الحديد، وخلال وقت يطول أو يقصر على حسب كمية اللحم، تنتهي المهمة في سلام، وتبدأ رحلة توزيع لحوم الأضاحي على المستحقين من الأهل والجيران، ويالها من متعة!

وجدتني وجها لوجه أمام أضحيتي، مرتبكًا مترددًا وربما خائفًا، أعرف تمام المعرفة شروط الأضحية، لكني لا أحسن الذبح، رغم أنني حددت شفرتي وسننت سكاكيني وكنت أنتوي أن أرح ذبيحتي، لكنني لم أستطع. لا أحب الدم، لا مشاهدته ولا إراقته، ولا أجد متعة في مشاهد الهروب الكبير للعجول والأبقار وبعض الخرفان والتيوس، لهذا قلت: لا بأس أن أوكل الأمر لغيري فأترك العيش لخبازه، ولا مانع من أن أشهد ذبيحتي بنفسي، ولا ضير لو سمعت مجددًا عبارة المدام الساحرة: أنت مش فالح في حاجة أبدًا!

أعدت سكاكيني إلى مكانها، وتخليت طواعية عن دور لم أقم به من قبل، دور لم أحبه ولم أتقنه، واكتفيت بحجز مقعدي وسط المتفرجين، وقد قذف لي القدر بأحدهم يدعي أنه جزار، ولم يكن سوى عاطل يشغل وقت فراغه فيما يتربح منه في موسم الأضاحي، والنتيجة أن فرت منه الذبيحة، ويالها من فضيحة، نظرت للجزار المزعوم بكل استنكار حين أفلتت منه الأضحية، ورددت عبارة أحفظها عن ظهر قلب، ولكن بإيقاع جديد، يناسب ذائقة الرجل: هتعرف تذبح وإلا أنت مش فالح في حاجة؟!

إعلان

إعلان

إعلان