إعلان

الإعلانات والطعام.. تاريخ مختصر "للتيك أواي"

د.هشام عطية عبد المقصود

الإعلانات والطعام.. تاريخ مختصر "للتيك أواي"

د. هشام عطية عبد المقصود
06:54 م الجمعة 10 مارس 2023

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

حين هبط إعلان الهامبرجر الأول على سطح الحياة في مصر تليفزيونيا فى السبعينات كان تعبيرا مبكرا واضحا عن بدء دخولنا مجال العولمة، تم ذلك خارج حدود الجدل ومن غير حديث فخم ومصطلحات ثقافية معقدة مختلف عليها، بل دخلت العولمة عبر ما يأكل أو يشربه البعض متذوقا ودون كثير من تفكير مؤرق، وهكذا بدأ الانفتاح قويا بشريحة الهامبرجر تتوسط شطيرتين من الخبز من غير ضرورة أن تكون طازجة بل هي دائما محفوظة وإن لم نسأل وقتها كثيرا عن ذلك، ولتفرض إعادة تعريف كلمة "الساندوتش" من جديد فى المعاجم والقواميس العربية.

أتذكر افتتاح الفرع الأول وكيف اصطف في صور الإعلانات من جذبهم الإلحاح المتكرر والمنبهرين بما تحمله تجليت العولمة من منتجات وخدمات، وقتئذ جاء إعلان الهامبرجر متسلحا بكل ما هو مبهر ليقدم للمشاهد نمط حياة يبشر به ويصحبه، هذا المشاهد الذي عاش تجربة ساندوتش الفول والطعمية طفلا وشابا وكهلا، وأضاف مع الوقت تحديثا بسيطا بأن وضع أقراص الطعمية الساخنة في أرغفة الفينو ومعها شرائح طماطم بالشطة، كان هذا هو التحديث الأكبر الذي دخل على صنعة الساندوتش المصرى المعروف، يطلبه تلاميذ المدارس هربا من روتين ساندوتش الطعمية التقليدى.

وفجأة دخل ساندوتش الهامبرجر الأول شهي المنظر، مصحوبا بذلك التغليف الجديد المدهش والملون، والذي يختلف كلية عن شكل ساندوتش الفول الموضوع في كل ماتيسر من ورق كراسات وكتب التلاميذ التي يبيعونها في نهاية العام لمحلات الطعام أو لبائع الروبابيكيا ويتولى توريده لمحلات الفول، وقد تتعثر وأنت تفتح الورقة التي تضم الساندوتش فى صفحة من كراسة إملاء عليها الدرجة بخط جاف أحمر أو حتى صفحة من كتاب التاريخ المدرسى المقرر.

كان الإبهار والإيحاء بالإختلاف والتميز عنصرا ضروريا لإزاحة ما رسخ وهيمن عبر الزمن من تقاليد الطعام المصرية، ثم إنه ساندوتش يضم أيضا لحوما أو تدخل فى صناعته أو هكذا يفترض أو يقال، تلك السلعة التى ظلت دائما في التراث المصري حاضرة ومؤرقة وعزيزة تماما.

منح الإقبال على الهامبرجر شارة "الحداثة" لكثيرين، لم يتحدث أحد وقتها ليمنح الناس تعريفا بتلك الفروق بين طعامين مختلفين أثرا صحيا وتغذية، حتى استقر الهامبرجر تصحبه أخته الكولا لدى كل طفل وشاب وربما في كل بيت، وصارت مع الإلحاح الإعلانى ذى الميزانيات الضخمة تغير من ثقافة الطعام والشراب حتى صارت المشروبات الطبيعية "القديمة" تنسحب رويدا، والتي هى مما تنبت الأرض مثل العرقسوس والخروب والكركديه، خاصة وهى تحتاج في تجهيزها وقتا وجهدا، لتصير غالبا وبعد ذلك مشروبات موسمية، وحتى يتم استعادتها فى حركة تاريخ دائرية من جديد في إطار سيطرة ثقافة "الهيلثي"، وتمر الأيام على هذا النحو ليأتي زمان لا يستطيع أحد فيه أن يقنع طفلا مثلا أن يتخلى عن زجاجة غازية ملونة بالأحمر والأخضر أو يخوض بشجاعة تجربة شرب العرقسوس أو الخروب أو التمر، وسيحتاج المرء حينها إلى عزم وصلابة محارب ودعاء صالح، فضلا عن إعلان راقص يضم أولادا وبنات يضحكون ويجرون مبتسمين كأثر فورى مؤكد لتناول ذلك المشروب القديم الجديد.

تتحول الكثير من العادات والتقاليد مع تغير نوع الطعام والمشروبات، فمثلا مشروب العرقسوس والتمر والخروب هى بمثابة مشروبات أسرية ذات تقليد حضور جماعى تصنعه الأسرة ويوضع فى الأكواب ومن دورق واحد فى أمسية واحدة أو جلسة طعام تجمع الكل كما فى إفطار رمضان، ودائما طازج، بينما زجاجة أو علبة "كانز" الصودا الغازية تؤخذ منفردة وتشرب في طقس أحادي صارم فى طقوسه، هكذا ستكرس الوجبات السريعة فكرة الغياب المتقطع ثم الدائم بعد ذلك لأفراد الأسرة عن مواعيد الطعام المنتظمة فى المنزل، بل وستنصح الأسر أولادها انشغالا أو محبة ولعدم القدرة على اقناعهم بالعودة لتناول الطعام المنزلى "إبقى هات لك ساندوتش".

مرت مرحلة سيادة وجبات "التيك واى" بدورة حياة كان الإقصاء فيه مهما عقليا ودلاليا لمنافسيها المحليين، وحيث تحول فيه الكشري الى "أكلة بلدى" وفى عرف البعض "لوكال قوى" فضلا عن إشارة خفية إلى رائحة الثوم والبصل، كما مثل فيها إقصاء الفول والطعمية تعبيرا عن رفض ما يعرفه الآباء وتمردا ونوعا من التحديث، تزامن مع كل ذلك سخرية إنتشرت عن أن حبوب الفول فى العالم ليست فقط طعاما للبشر، وظهرت السخرية قاطعة بعد ذلك فى مسرحية "المتزوجون" حين جاءت إهانة الفول قاضية.

ستمضي الآلة الإعلانية قوية، وتزداد فروع تلك المأكولات والمشروبات لتغزو بنعومة الأقاليم والمدن الصغيرة، وسيقنعونك حتى فى رمضان بأن طقس ومشروب الإفطار الذى عاش عليه الناس قرونا لبنا رائبا أو تمرا ذائبا فى ماء عذب ويصاحبه دوارق العرقسوس والكركديه بأنه كله "مايرويش عطشك" وأنه ربما مدفع الإفطار ذاته لن يأتي سوى عندما تضع الزجاجة الغازية الكبيرة على المائدة وتمنح لمن حولك بسخاء وطوعا نصيبهم اليومى من مشهيات "البقلظة".

إعلان

إعلان

إعلان