إعلان

غواية الترند.. ما تفعله الميديا بجمهورها !

د.هشام عطية عبد المقصود

غواية الترند.. ما تفعله الميديا بجمهورها !

د. هشام عطية عبد المقصود
08:02 م الجمعة 05 أغسطس 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لم يتغير العالم كثيرا، ستقول ذلك وأنت تتابع محاولات سعى بعض المواقع الإعلامية وكذلك بعض البرامج لجذب جمهور لم تجتهد فى أن تعرفه تحديدا، حالة نهمة من مطاردة شرائح كبيرة من جمهور لم تتوافر لديها خبرات تعرض متراكمة تمنحها تفضيلات مهنية مستقرة نسبيا، فعاشوا واستمروا يدمنون العبور قفزا بين القنوات والمواقع والمنصات، يتنقلون بخفة فيحلون هنا أو هناك، يتبع معظمهم أفقا واحدا يخلص له هو تواجد حادثة صادمة أو حكاية لطيفة تماما أو ربما ساخنة حد تصاعد أبخرة الشواء أو حتى أدخنة حريق الفضيحة، تبحث كل يوم عن جديدها ومما لا يدخل ضمن لزوميات المعرفة وصناعة الرأى واهتمامات المستقبل، هى بعض من دوائر النميمة الإعلامية التى ستصير كل يوم أكثر مفارقة وصخبا، فضلا عن اتساع أطباق مشهياتها الجانبية التى لن تخلو من عشوائية اختلاط روائح البهارات الزاكمة.

إن جزءا من اتساع مساحة تلك الشرائح هو بفعل تلك الممارسات والآداء الإعلامى الذى لايدخل ضمن سياق مهنى ويتحمل مسئولية أنه يمنح للجمهور تعريفا متدنيا لمهنة عرفت عالميا بأنها "البحث عن متاعب" وليس أبدا البحث عن فضيحة، بينما يمر الوقت فلا ينتبه البعض لمقتضيات صناعة الميديا التى تتطور فى العالم ويتجدد جمهورها ببطء واستطراد معا، والتى يجدر أن تتحلى بمفاهيم مهنية متطورة، فى حين تظل "اللقطة" التى هى تربص لفعل فاضح ومشين أو جريمة ما يتفرغ له موقع أوبرنامج ما كأنه سبب بقاء واستمرار وحيد، وحيث لن يكون البائع الجديد هنا مجبرا على أن يلوح بالصحيفة كما قديم الزمان ليظهر عنوان ببنط أحمر ضخم للحادثة التى يروج للصحيفة من خلالها، بل سيكون الموقع ثم يعيد الأمر برنامج أو آخر ليسرد ويعرض القصة مشفوعة بالصور وفيديوهات تتوالى دون النظر لكونها حياة خاصة تماما أو حتى انها تنتهك حدود الستر بل وربما حتى تعريف سلوك التأدب، ولن يشكل ذلك المحتوى سعيا مهاريا على أى مستوى يتنافس فيه المجتهدون بل شبكة غواية لامهنية، كما أنه سيكون خارج حدود فكرة المتعة والإثارة ذوقا وآداء مهنيا، بل مجرد تقليد باهت شائخ مترهل لما عرفته مراحل بعيدة شاحبة من تاريخ المهنة فى العالم وصار خارج فكرة مقتضيات ممارستها الاحترافية.

وبينما تجتهد صناعة الميديا فى العالم فى بناء أنماط مهنية تناسب عصر المنصات وتناسب ذائقة جمهور جديد وتصنع معادلات للمحتوى تشرك فيها الجمهور لتستمر الصناعة وتبقى اقتصاديا وتنمو، نمنح بعض ممارسات تعطى للجمهور دلالة أنه يمكنه بسهولة أن يستغنى عن الميديا وصناعتها وأنه هو نفسه يمكن أن يقوم بتلك الأدوار وكيف لا ومعه الموبايل وكاميرا الموبايل وكل ما يقتضيه الأمر أن يسخر أو ينكت أو يتابع مشاجرة فى شارع أفضت الى فضيحة أو كارثة، فهل نريدها هكذا؟

فكرة المحتوى الإعلامى الجذاب والمثير ليست فى حد ذاتها أمرا معيبا، بل إنها نمط يستوجب تضمينه رشادة مهنية وخبرة ممارسة ومعرفة قانونية أيضا تصنع لها ذائقتها وطريقتها الخاصة والفريدة، لكن السعى المستمر وغير المبرر مهنيا – ولا حتى من زاوية قدرة ذلك على تحقيق متطلبات الصناعة ودعم إقتصاديات الميديا- فى بناء شبكات الصيد لهذا الجمهور العابر ممارسة يجدر أن يتم ترشيدها وإدانتها، لأنه يفتح بابا لا حدود له لتواجد غير ذوى الإختصاص من الهواة غير العارفين، وممن لم يحملوا من تاريخ المهنة أثقالها ممارسة وشغفا، ولم يأخذوا من مهارة تجديد الأفكار إبداعها، ومن ثم سيلجأون دائما الى الحل التاريخى السهل والمتاح، عبر رابط اليكترونى يحمل عنوانا مكررا ورديئا يبدأ بكلمة شوف "قصة فلانة وفلان"، ومن دون أن يغفل العنوان كلمتى حصريا وبالصور والفيديو.

هناك احتياج لإعادة بناء معايير مهنية تخرج من فكرة ضيقة مفادها كيف تكون رقم واحد فى الترند، لأنه ثبت عدم جدواها فى منح العمل الإعلامى صبغة الصناعة وإن رآها البعض حلية جميلة لم يعلم أحد أبدا مردود تأثيرها معرفيا على الجمهور ولا اقتصاديا على زيادة مواردها، وسيكون مهما هنا طرح إشكالية أنه رغم جهود السعى وراء كل هذا الإنتاج الإستهلاكى الجاذب لكل العابرين شكلا ولونا، لم يصل ذلك الى جعل وسائل الإعلام ناجحة إقتصاديا من خلال اقترابها من نقطة تعادل مالى تبرر إستمرارها كصناعة.

أن فكرة السير وفق مقتضيات الصناعة لازمة لأى تطور مهنى للميديا، وتوجد بالضرورة ضمن أى حديث مخلص عن مستقبلها، وحيث لايزال دوما مطروحا أمام منظومة الإعلام مجالات مهمة وجديدة لنمو صناعة حقيقية، تصنع من خلال طريق الإبداع موارد مستقرة، ترتبط بضخ أفكار جديدة ليس فقط فى مجال الإعلام كمهنة ولكن عبر ربطها بمبادرات تسويقية تجد لها مرتكزات فى مجالات النشاط الإقتصادى والصناعى الأخرى، تم تأسيس إعتبارات مهنية ومعادلات لإنتاج المضمون، يترتب عليها وضع خطط تسويق الخدمات النوعية.

لن نحتاج فى مجال بناء صناعة إعلامية توثق صلتها بالجمهور وتصنع نموذجها المهنى والصناعى الناجح والمؤثر إلى اجترار حل "إقرا" الحادثة، ولن يكون صحيحا أو صحيا معا أن تتصدر النميمة وقصص الجرائم المنفرة واجهات البرامج والمواقع لتكون نمطا ثم لنفرضها عبر الوقت ذوقا وتفضيلا أعلى للجمهور، سيكون كل ذلك بمثابة مسكنات تخفيف ألم هجر الجمهور لبعض قنواته وبرامجه ومحاولة استعادته عبر تحايلات تعمل على بعض من أردأ مفردات سيرة تاريخ المهنة وأكثرها بدائية، والتى ربما قد تؤتى أثرها يوما أو بعض يوم حتى يطاردك موقع أو برنامج آخر بنميمة أكبر أو بصورة أفضح أو أبشع أو وبحادثة قد تكون فى عرف أولئك الجمهور الرُحل العابرين ألذ كثيرا.

إعلان

إعلان

إعلان