إعلان

أسف.. أنها جريمة إعلامية!

نبيل عمر

أسف.. أنها جريمة إعلامية!

نبيل عمر
07:44 م السبت 22 يناير 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


نعم هي جريمة إعلامية بكل المقاييس، ولا أعرف بلدا متحضرا في العالم تجرى فيها "التحقيقات الجنائية" على الهواء في الفضائيات، وعلى المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما حدث في بلاغ أرملة الراحل اللامع وائل الإبراشي إلى النيابة العامة، تتهم فيه طبيبا باغتياله، هذا عبث بالقانون والعدالة، وليس مجرد خطأ مهني جسيم.

التقاضي حق دستوري لكل مواطن أو لأي أجنبي على أرض مصر لا يحده إلا قانون الإجراءات فقط، والبلاغ اتهام قد يثبت صحته، فتحيله النيابة إلى المحكمة جنحةً أو جنايةً حسب نوع الاتهام وأدلته، أو تتعثر بنوده في وصف الجريمة المنسوبة إلى المتهم، فتحفظه النيابة ويغلق الملف، ولا يعاد فتحه إلا إذا استجد جديدا في القرائن والأدلة.

وقطعا من حق أرملة اللامع الراحل وائل الإبراشي أن تتهم وتبلغ النيابة، فالمصاب كبير وقاسي، وربما تتحدث في الإعلام عن شكوكها في الطريقة التي عولج بها زوجها في الأيام الأولى الحاسمة بإصابته بفيروس كورونا..لكن دور الإعلام يجب أن يتوقف عند خبر الاتهام ومتابعة البلاغ وتحقيقات النيابة ثم المحاكمة، دون أن يتحول إلى "جهاز تحقيق" أو جهة إصدار أحكام، فليست هذه وظيفته ولا مسؤوليته، بل افتئات شديد على العدالة، لأن الإعلام لا يملك أدواتها وإجراءاتها ولا سلطتها.

لكن الذي حدث شئ عجيب وشاذ، فإذا بنتائج تحاليل طبية تنشر وتذاع، وشهود يدلون بأقوالهم تأكيدا للاتهامات وإدانة للمتهم، وشهود يدلون بأقوال مناهضة تدافع عن المتهم، وخبراء يستدعون إلى الهواء كما تستدعي المحكمة خبراء متخصصين يفسرون لها أمورا فنية دقيقة في قضية ما، ويدخل المتهم يصد ويرد ويقول إنه يملك من المستندات والأدلة التي تنفي عنه تهمة القتل بعلاج خاطئ..

أذن ماذا ترك الإعلام للقضاء؟

أولا..صنع الإعلام حالة من الارتباك والاضطراب والشك في مهنة في غاية الخطورة والأهمية لاغني عنها للمجتمع، مثل الهواء والماء، خاصة في مجتمع تعشش فيه الغيبيات والشعوذة والدجل والعلاج بالسحر والوصفات القديمة..الخ.

ثانيا..بغض النظر عن نسبة كل طرف..انقسم المجتمع بين طرف مصدق للاتهام ومتعاطف مع زوجة الراحل الكبير، بعد شحنة مكثفة تحمله مسؤولية موت إعلامي في الخمسينيات من عمره، كان لامعا وحيويا ومؤثرا، وأصيب بمرض له بروتوكول علاج اقرته منظمة الصحة العالمية وتعمل بها وزارة الصحة المصرية، لكن الطبيب غامر بحياته في تجربة علاج غير مؤثر فتمكن الفيروس من رئتيه وأتلفهما، ولم يتمكن علاج دام عاما من إصلاح خطايا الأيام الأولى.

وطرف يرى مبالغة في الاتهام، وأن الطبيب سبق له أن عالج حالت وشفيت..

ثالثا.. فتح الباب على مصراعيه أمام شبكات التواصل الاجتماعي للإفتاء في القضية، خاصة أن كل من هب ودب صار صاحب قناة خاصة على اليوتيوب، وكلما مال إلى الإثارة والنميمة والفضائح كلما زاد جمهوره ومشاهديه، وارتفعت إيراداته.

قد يعترض طرف من هذا أو ذاك ويسأل: يعني نهمل الرأي العام مثل الأطرش في الزفة في بلاغ هو بالضرورة قضية رأي عام، فيضرب اخماسا في اسداس؟، أليس من حقه أن يكون عينين وأذنين في قضية تمس شخصية عامة كانت ملأ الأسماع والأبصار؟

نقول لهؤلاء..نعم هي قضية رأي عام، فقط نتابع أخبارها من مصادر التحقيق الرسمية، لأنها الاتهامات فيها جنائية، بطبيعتها تستند إلى أسباب علمية، وليس اتهاما سياسيا او أدبيا يتحمل أختلاف الأراء، كما أنه مطرقة على رأس شريحة مهنية مهمة في المجتمع..والأهم أو الأخطر أننا وضعنا قضاة المحكمة في مأزق، لأنهم بالقطع مثل كل الناس تابعوا وقرأوا وشاهدوا ما عرض وما كتب وما قيل، أي انغمسوا في القضية مبكرا وتكونت في وجداناتهم مشاعر، وفي عقولهم أفكار، وفي يقينهم بعض التصورات، أي لم يعودوا محايدين، وسوف يبذلون جهدا هائلا للتخلص من تلك الانطباعات، ليستعيدوا تجردهم عند نظر القضية، إذا رأت النيابة أسبابا لإحالتها إليهم..

بل أن النيابة قد تجد نفسها في حرج شديد من ضغط الإعلام والرأي العام عليها وهي تحقق في البلاغ.

وماذا سيكون رد الفعل الجمهور المنقسم عند صدور حكم المحكمة إذا جاء مؤيدا لاتهام الزوجة بإدانة المتهم أو على العكس برأه منه؟

مؤكد أن طرفا سوف يهلل ويصفق وطرف سوف ينقد ويصرخ ويحاول أن يجد مبررات غير مسطورة في أوراق القضية، ويُلسن عن علاقات ونفوذ وتأثير من خارج قاعة المحكمة.

بالقطع ما حدث في بلاغ زوجة وائل الإبراشي لا يمت لأي مهنية بصلة، ويدوس على أي ميثاق شرف لمهنة عظيمة، يفترض أن تلعب دورا حتميا في بناء وعى مجتمعها بإمداده بالمعلومات الصحيحة والمعارف العلمية واحترام القانون.

ولم تكن قضية وائل الإبراشي هي الوحيدة الخارجة عن التقاليد الصحيحة في الأونة الأخيرة، خذ عندك قضية بنت الكابتن عصام الحضري مدرب حراس مرمي المنتخب الوطني، وكيف تفنن الإعلام في تغطية تفاصيل الخناقة بينها وبين رجل أمن في كمبوند، وجرى فيها التشهير بالرجل ثم الفتاة حتى تصالحا.

لكن أغرب التغطيات الإعلامية هي التي صاحبت جلسة محاكمة حسن راتب وعلاء حسنين في قضية الآثار الكبرى، إذ أُذيعت وقائع الجلسة على اليوتيوب وبعض القنوات الفضائية، خاصة مرافعة الأستاذ فريد الديب عن حسن راتب، والمرافعة جزء من القضية أو وجهة نظر المتهم في القضية، وهي بالقطع تناقض وجهة نظر النيابة، وهو ما يجعل النشر "أداة" توجيه للرأي العام.

عموما تصوير جلسات المحاكمات الجنائية، هي بمثابة تحويل قاعة المحكمة إلى خشبة مسرح، وفي المسرح أدوار وجمهور وحسابات يصعب أن تهبط إليه سيدة العدالة العمياء، فالكاميرات وأضواؤها وصخب الرأي العام ينزع العصابة التي تغطي عين تلك السيدة الجليلة، ويفتح عينيها على القاعة والجمهور والكاميرات فتفقد براءتها الأولى وربما عذريتها أيضا.

هذه مجرد نماذج متكررة.

وهنا لا ألوم الإعلام فقط، عن دهسه على ميثاق شرفه المهني، لكن ألوم أهل القانون، الذين يجب أن يحموا القانون من أي مؤثرات خارجية تفسد وجدانه وربما أفكاره، وهذا خطر بالغ على المجتمع كله.؟

إعلان

إعلان

إعلان