إعلان

كيف تُعوِّد أطفالك على القراءة؟

عمار علي حسن

كيف تُعوِّد أطفالك على القراءة؟

د. عمار علي حسن
07:00 م الخميس 18 فبراير 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لم تكن القراءة في أي زمن ترفا، ولا لعبة لتقضية أوقات الفراغ، بل هي ضرورة، وهي واجب وحق، وطريق نحو بناء المعرفة، وإطلاق الخيال، وتعزيز التحضر الإنساني الذي ينبني على توقد العقل، وذكاء المشاعر، وتربية النفوس، وفهم الواقع، وتفهم الآخرين، والانحياز إلى كل ما يدفع العيش إلى التقدم.

لهذا لا يجب أن نترك أطفالنا من دون قراءة، أو نتوهم أن اقتصارهم على مناهج الدراسة كاف لصقل معارفهم، وشحذ أذهانهم بما يساعدهم على الفهم السليم، والوعي الحقيقي.

لكن كيف نأخذ أطفالنا إلى القراءة أخذا هينا لينا، كي نضمن حرصهم عليها، واستمرارهم فيها، بعد أن يألفوها ويحبوها، ويقبلوا عليها بنفوس راضية، وعقول منفتحة، واقتناع راسخ بجدواها؟

فلو أننا أخذناهم عنوة إلى الكتب سيكرهونها، أو يلجأون إلى مجاراة الآباء والأمهات مداراة ومداهنة، حتى يرضوا عنهم، أو يسكتوا عن عقابهم، وما إن ترفع هذه الضغوط المفتعلة، حتى ينفكوا عن القراءة، ويهجروها غير نادمين على تركها وإهمالها. وقد يتذاكون على ذويهم، فيرسلون عيونهم إلى الكتب وهم في غفلة تامة عما تجود به السطور، وفي نفوسهم سخرية أو شفقة على أولئك الذين أخذوهم إلى ما يقرؤونه إجبارا وقهرا.

أما الصواب فهو أن نيسر أمام أطفالنا القراءة، ونتركهم في خيرة من أمرهم، لا يجبرون عليها، ولا يجلسون إليها وهم في تذمر وضيق. لكن كيف نهيئ أو نصنع هذه الطوعية التي تجعل من قراءة الكتب عملية سلسة، يأتي إليها أولادنا فرحين، وكأنهم يشربون الماء الجاري وهم في ظمأ، أو يتمتعون بالنسيم الساري وهم في قيظ، أو يمارسون هواية محببة إليهم حبا جما، كالرسم أو سماع الموسيقى، أو يشاهدون مباراة مثيرة في كرة القدم؟

سأقترح هنا، في إجابتي عن هذا السؤال، خطوات محددة، تم تجريبها مع بعض الأولاد، وكانت نتائجها جيدة. ويمكن ترتيب هذه الخطوات على النحو التالي:

1 ـ مع الأخذ في الاعتبار الفروق الفردية بين الأطفال، تأتي الأم لطفلها، وهي تعلمه الكلام، بقصص من السلاسل المعروفة، وتجلس أمامه، تفتحها وتحكي له ما فيها بلغة بسيطة، دون أن يشغلها إن كان يفهم كل ما يقال له من عدمه، ولا تنزعج إن أمسك الطفل بالورق وأخذ يلوكه بأسنانه، فالمهم أن يدرك الطفل أن هذه الأوراق المملوءة بالحروف والصور هي سبب لقرب أمه منه واهتمامها به. ومن المؤكد أنه سيلتقط بعض الحروف، التي تعينه على تعلم الكلام مبكرا، وقد يختزن صورا في ذاكراته، سيستعيدها فيما بعد.

2 ـ حين يتجاوز الطفل "المرحلة الفمية"، والتي يتعرف فيها على العالم بفمه فيجذب إليه كل ما يقع في يده، تترك له هذه القصص المصورة، ليلعب بها، متأملا الصور، وهنا يمكن للأم أن تشير بإصبعها إلى كل صورة وتسمي له ما فيها حيوان أو نبات أو جماد، وهذا يشكل عملية تخاطب مهمة، تعينه على اكتشاف العالم من حوله، وهو يدرك أن وسيلته إلى هذا هي الكتاب. وفي حال قيام الطفل بطلب الفرجة على الصور، أو سماع الحكايات البسيطة، فعلى الأم أن تستجيب فورا، وقد تصبح هذه العملية واحدة من الأسباب التي تهدئ من روع الطفل، وتعيده إلى الفرح والسكينة.

3 ـ بعد أن يكبر الطفل ويكون قادرا على الكلام والتواصل الجيد مع من حوله، يقوم الأب أو الأم بشراء مجلات وقصص أطفال وتركها في مكان قريب منه، فيقوم هو بإرادته الحرة بالسعي إليها، وحملها بين يديه، والنظر فيها، ولا مانع أن يعبث بها، وأن تكون مصدرا للعب والتسلية والتسرية بالنسبة له، في هذه المرحلة العمرية من الطفولة المبكرة.

4 ـ فور التحاقه بالمدرسة يقوم الأب أو الأم باصطحاب الطفل إلى بائع الصحف أو إلى المكتبات، وأمامه تتم عملية شراء المجلات والقصص، فيعرف أن هناك مكانا معينا بوسعه أن يحصل منه على زاده من المعرفة.

5 ـ حين يكون الطفل قادرا على أن يذهب بمفرده إلى بائع الصحف القريب من منزله، يُعطى النقود اللازمة ليشتري بنفسه ما يريد، مع تذكيره فقط بموعد صدور مجلات بعينها، وصدور كتب أو قصص جديدة للأطفال، في إطار السلاسل التي تنشرها بعض المؤسسات الثقافية.

6 ـ يجب أن يشارك الأبوان الطفل في عملية القراءة، فيقرؤون أمامه بصوت عال، الكتب التي يختارها هو، وتروق له، ويمكن إشراك أي من أفراد الأسرة الكبيرة أو العائلة الممتدة في القراءة على هذا النحو، بحيث تتحول المطالعة إلى ألفة إنسانية ورابطة عاطفية، بين الطفل الصغير وأخيه الكبير، وكذلك الأجداد والجدات، والأعمام والعمات والأخوال والخالات، والمربيات والحاضنات وأصدقاء وصديقات الأسرة. ويجب أن تستمر هذه العملية حتى بعد أن يتمكن الأولاد من القراءة السليمة، فقراءة الكبار تساعد الصغار على استقامة اللسان، وقد يجد الكبار أنفسهم في وضع من يجلي للطفل ما غمض عليه، ويتممون له ما نقص أمامه، ويفسرون له ما استغلق على فهمه، ويشاركونه هواجسه وخواطره وانطباعاته حيال ما يقرأ. ومع هذا، وربما قبله، فإن القراءة الجماعية أو المتبادلة من شأنها أن تعمق المودة والأنس في الأسرة، وتربط صغارها بكبارها، وكبارها بصغارها.

7 ـ خلال هذه المرحلة تطلب الأم والأب من الطفل أن يحكي لهما بعض القصص التي قرأها، والمعلومات التي اطلع عليها، والأفكار التي لفتت انتباهه، ويفتحا معه نقاشا حولها، يتحول فيه من متلقٍ للمعرفة إلى ناقل لها، ثم متفاعل بها وحولها، وقد يصير منتجًا لها إن ربط بعض الأشياء وأعطاها معاني جديدة. ومن الأفضل أن يطلب الأبوان من طفلهما كتابة ما فهمه، وتعليقه عليه، أو نقده له.

8 ـ يتم تدريب الطفل على أن يُكون بمرور الأيام مكتبته الخاصة، وذلك بإعداد رف خاص له في مكتبة الأب والأم، يضع عليه كتبه، ويمكنه أن يعود إليها بيسر وقتما شاء، بعد أن يعتاد ترتيبها وفهرستها، وفق ما يراه هو نافعا له، وسهلا عليه.

9 ـ يحث الأبوان الطفل على مداومة استعارة الكتب من مكتبة المدرسة، وفي الوقت نفسه يقومان بالاشتراك له في عدد من المكتبات العامة، ويحرصان على زيارتها بصحبته بانتظام، للاطلاع والاستعارة؛ لتكون المكتبة من الأماكن المحببة للطفل، ولا يجب هنا أن يربط الأبوان هذه الزيارات بمكافأة مادية للطفل، بل يحولان الجلوس في المكتبة واستعارة الكتب إلى مكافأة في حد ذاتها.

10ـ حين يصل الطفل إلى الصبا، وتتبدل اهتماماته في القراءة، يشجعه الأبوان على أن يتبرع بالكتب التي قرأها من قبل، وتجاوز محتواها في الاهتمام، إلى أطفال الجيران، أو دور حضانة، أو مكتبات المدارس التي تفتقر إليها، أو هي في حاجة ماسة إلى التزود من الكتب.

نحن مجتمع مضرب عن القراءة، والسؤال الذي يطارد كل كاتب وباحث الآن هو: كيف يمكن أن نجعل رجل الشارع العادي يقبل على القراءة ويحترم المثقفين؟

والإجابة التي تأتي لذهني للوهلة الأولى هي أنه يجب توظيف المدارس في التحريض على القراءة الحرة وأن نحل مشكلة توزيع الكتاب التي تعيش معنا منذ الأربعينيات حسبما طرح توفيق الحكيم في كتابه "البرج العاجي" وهذه مسئولية وزارة الثقافة ومؤسسات المجتمع المدني ودور النشر الخاصة والمؤسسات الصحفية الكبرى.

ويجب على هذه الجهات جميعا أن تتعاون في إطلاق قوافل تجوب المدن والقرى ليصل الكتاب إلى كل دار، وعلى موظفي وزارة الثقافة لا سيما العاملين في أكثر من 500 قصر ثقافة في مصر أن ينزلوا بالكتاب إلى الناس، ويجب على الكتاب أن يخرجوا من العاصمة إلى الأقاليم ومن القلب إلى الأطراف فلا يزال لدينا ملايين يمكن أن تدمن القراءة المستديمة شرط أن نصل إليهم.

إعلان