إعلان

فُقاعة «بشير الكُحلي» تنفجر في وجوهنا!

د. ياسر ثابت

فُقاعة «بشير الكُحلي» تنفجر في وجوهنا!

د. ياسر ثابت
09:51 م الأربعاء 13 ديسمبر 2023

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

«كان وحيدًا، وكان يحترف تعزية نفسه على وحدته ويُبشرها بأن الأيام الأجمل قادمة لا محالة» (ص 18).

بهذه النظرة وتلك الرؤية الفلسفية -وربما الدونكيشوتية- يرسم الروائي مينا عادل جيّد أبرز ملامح شخصية بطل روايته الجديدة «بشير الكُحلي» (الدار المصرية اللبنانية، 2023).

اعتمد الروائي في «بشير الكُحلي» سردًا سلسًا، أكسبه سمات سينمائية، فاستطاع توظيف الصورة البصرية في خدمة الصورة السردية، وتجسيد الأحداث والشخوص على مسرح الخيال. كما استعان في غير موضع بعين الكاميرا، التي رصد من خلالها حركة البطل في المساحات الواسعة، لينتهي إلى حيز محدود.

استعان أيضًا بأسلوب الوقفة كتقنية سينمائية أخرى، برزت خلال مساحات الوصف والحوار، وقد ساعدت هذه الوقفات في نقل طبائع الشخوص، وإتاحة استراحات للقارئ. وعززت كذلك من طرافة السرد.

تدهشك عملية التشريح السيكولوجي التي يُجريها الكاتب لبطله، وتعزيز وقعها. تشريح يتجاوز في بصيرته علم المحللين النفسيين، ويحوّل هذا العمل الأدبي إلى نص أساسي، مرجعي، لفهم الآليات الذهنية للإنسان المريض بجنون العظمة الذي يعيش في فقاعة وهمية، بوصفه مُصلحًا اجتماعيًا، وسياسيًا بارعًا، وصاحب رسالة سامية يصعب تنفيذها على أرض الواقع، لكنها تكتسب أهمية كبيرة ومصداقية كبيرة ذهنه.

يستغرق الروائي أول 15 صفحة من روايته -ربما بأكثر مما يجب- في إلقاء الضوء على شخصية بطله وطريقة تفكيره وعلاقته بمحيطه الخاص والعام. بهذا الإيقاع، يشعر القارئ أنه أمام حكاية واقعية تنتهي في بداية الألفية الثالثة، عن مدرس ألعاب يقود عمله برتبة زعيم شعبي أو سياسي، ولكنه يحلم بأدوار يلعبها في المجتمع تفوق إمكاناته سواء الاجتماعية أو غيرها.

تحكي هذه المغامرة الروائية التي تعد خطوة أكثر نضجًا من أعمال مينا عادل جيّد السابقة، عن فشل «بشير الكُحلي» في اجتياز اختبارات الالتحاق بالكلية الحربية لضعف نظره، ما اضطره إلى الالتحاق بالمعهد العالي للتربية الرياضية معلمين.

سرعان ما عُيّن «بشير الكُحلي» مُعلِّمًا للتربية الرياضية في مدرسة ثانوية في سط المدينة، إلا أنه «أدار عمله المدرسي لا بأداء المعلم بل بروح الضابط ليعوّض نفسه عن ضياع حلمه الكبير، وهو أن يصير رجلًا عسكريًا مثل أبيه» (ص 7).

رجلٌ بهذه العقلية من الطبيعي أن نجده «أقدر من ينظم طابور الصباح في مدرسة ثانوية ولطلاب الثانوية ذوي الطاقات الخاصة على التمرد واللا نظام، كان طابور الأستاذ بشير الكُحلي لو رميتَ فيه ريالًا فضيًّا على الأرض في وسط عشرات المراهقين لسمعتَ صوت رنة الريال» (ص 8).

يُعبِّر بطل الرواية عن مرحلة شبابه قائلًا: «نذرتُ ثلاثيناتي كاملة، والتي كان من المفترض أن ألهو فيها وأعبث مع النساء، كجسر تعبر من خلاله تجارب تنمية البلدان العامرة إلى الكراسي في وطني، ولكن ولا غيرة في من تنادي» (ص 10)

في الرواية صغيرة الحجم نسبيًا (نحو 150 صفحة)، نلاحظ أن الراوي نفسه يلفُّ ويدور حول الشخصية؛ يتداخل مع دوافعها حينًا، ويتأملها من قريبٍ مرة ومن بعيدٍ أخرى، أو يسخرُ منها في بعض الأحيان.

الرواية شائقة، ذكيّة، متقنة، مسبوكة الأسلوب ومتماسكة الأفكار، وبها لمحات من روح هازلة وفانتازيا ساخرة.

بحسه الساخر، يحكي مينا عن بطله قائلًا:

«جرب في فترة أن يركز على الاقتصاد ليلمع، لندرة من يهتم بهذا المجال المعقد، وقدَّم مفقترحات اقتصادية وصفها بأنها شديدة الابتكار والوطنية؛ منها مشروع لتصدير الطعمية، أما مشروعه الأضخم فكان مقترحًا بأن يُفرض على السفن التي تعبر قناة السويس دفع تكلفة العبور بالجنيه المصري، وذلك لكي ترتفع قيمة الجنيه المسكين أمام الدولار الشرير» (ص 11).

هكذا يتجلى البطل لنا في كل ظلمته، زاهدًا، صارمًا، قليل الكلام، فاقدًا للإحساس، نزويًا، خطيرًا، يلفح الجنون عينيه وطبعه الحاد، ويحتقر الحياة والموت على حد السواء، من منطلق شعوره بالمناعة والتفوق على كل مَن حوله. كائن من أولئك الرجال الذين ولدوا بعدسات على عيونهم تشوّه الأشياء التي يرونها أو يعيشونها، وتعيد قولبتها وفقًا للمشاعر التي تُحرّك عالمهم الداخلي، ولمتطلبات رغباتهم. رجلٌ يتعذّر على الواقع، بكل عريه، بلوغه، ومنذ الطفولة، شوّه تعبّده لنفسه طبيعة كل ما يحيط به، وأبعاده.

لتعميق صورة بطل الرواية، نقرأ:

«وكعادته كل صباح، كان يفتش صندوق بريده في مدخل العمارة علّه يجد ردًا من أي مسؤول على توصياته وخطاباته ونصائحه، وبانتظار أكثر حماسةً بعد كل تغيير وزاري لتجديد الدم. لم تصله أية ردود، والذي زاد من قلقه هو أنه كان على يقين من كون الخطابات قد وصلتهم لأنها أُرسلت بعلم الوصول، وكان يقول في كل مرة لموظف مكتب بريد العتبة، والذي صار صديقًا له: نعم أعلم.. هي خطابات أكثر تكلفة، ولكن ما باليد حيلة، أيوجد أغلى من الوطن؟» (ص 11).

يلاحظ القارئ صخب أفكار بطل الرواية بكلمات تعود وتتكرر باستمرار، مثل قاطرة على سكة دائرية، مرسّخةً إياه داخل ثنائيات جامدة: شرف ــ ذل، شجاعة ــ جبن، وفاء ــ خيانة، حياة ــ موت، إنه إنسان زرع في نفسه صرامة تقشعر الأبدان لها، وخدّر مشاعره وأحاسيسه وكل مفاهيم التعاطف والرأفة والحُبِّ والندم داخله. صرامة تتجلى بكل صلابتها ورعبها في مرآة تصرفاته، التي يعتريها أحيانًا الضعف والارتباك والتساؤلات.

رواية سيكولوجية، إذًا، وفي الوقت نفسه، فلسفية لأنها تسائل مفاهيم الحرية والإرادة والقدر والصدفة، ومدى دور كل منها في بلورة شخصيتنا وتكييف سلوكنا.

يمكن الإشارة إلى أن الحُبّ يحتل مكانًا في الرواية، ولو في المقاعد الخلفية، على رغم جانبها المعتم، ويسيّر الرسالة الأقوى داخل صفحاتها. رسالة مفادها أن البطل، الذي يمثّل كل الذكورية المدمّرة لمجتمعه، هو في الواقع رجل لا يعرف كيف يتصرف مع المرأة، بل يبقى أعزل، أخرق، في حضورها، يضيء وجهه تعبير هشّ وخجول.

من الجائز القول إن الرواية تبدأ فعليًا بعد 19 صفحة، حين جادت عليه الحياة بمذاقات جديدة في يوم من ربيع 1989؛ إذ مات ابنُ خاله، حافظ الورداني، السائق الشاب، في حادثة كبيرة على الطريق الدائري. عرف الخبر من الجرائد، وعلى غير عادته في احتقار عائلة أمه، راح يُعزي أرملته الشابة (أميرة) ويتيمه الرضيع (يوسف) في بيت ابن خاله بمدينة السلام. ذَهِل حين وجد أن أرملة ابن خاله ذات الستة والعشرين عامًا امرأة مفعمة بالأنوثة. «رغبها بشير الكُحلي عندما رآها بملابس الحداد السوداء، أعجبه أنفها الأحمر من كثرة البكاء وقوامها الذي ضعف -رغم احتفاظه بأنوثته الطاغية- من رثاء زوجها. عاد إلى بيته ليتخيّلها في سريره بالأسود وهو يعزيها على طريقته؟» (ص 20).

تستوقفك هنا حبكة النفوس المنسوجة بخيط اللذة الذهبي أو بحرير الفاجعة.

بدأ «بشير الكُحلي» مخططه في التقرُّب إلى الأرملة واستدراجها بكل الطرق الممكنة، بدعوى مساندتها ومواساتها في مصابها الأليم. هنا يستغرق الروائي عبر صفحات كثيرة في التهويمات والخيالات التي تتعلَّق باشتهاء البطل لجسد هذه الأرملة الشابة.

انهزمت «أميرة» بعد عدة أشهر من الإلحاح، ونجحت خطة البطل، وفي إحدى ليالي الشتاء الموقظة لوحشة الوحدة، بادرته واعترفت له بحُبِّها في مكالمة هاتفية، وقالت له: «يُخجلني ما سأقوله، ولكني أحبّك يا بشير» (ص 35).

تتسارع الأحداث ويتقاربان جسديًا، لكنه يتعرّض لحوادث مفاجئة وصادمة لا نودّ حرقها هنا، بسبب مقترحاته العجيبة ومنها مقترح بإصدار قانون لتغيير أسماء الشوارع التي تحمل أسماء أجنبية استعمارية. انتهى الأمر بإجبار «بشير الكُحلي» على إنهاء خدمته في وزارة التربية والتعليم عبر تسوية معاشٍ مبكر.

في المقابل، عاشر «بشير الكُحلي» «أميرة» مثل الأزواج ستة عشر عامًا في الظلام، «وكفرعون جديد يمحو أي نقوش أو أثر لفرعون سبقه من على ذاكرة الجدران؛ أمر في السنة الأولى بإزالة أي صورة فوتوغرافية لزوجها، ابن خاله، من البيت وملابسه وكل ثره، وإخفاء سيرته عن «يوسف» ابنهه، كأنه لم يكن موجودًا قط» (ص 70).

غير أن الكلمة -أو قل الحركة- الأخيرة تكون من نصيب«يوسف»، الذي ينتقم من كل ما جرى.

وإذا كان بطل الرواية -يرتدي في محطات فارقة من حياته- عباءة الموت والعبارات الفضفاضة المتعلقة به، فإن ثعبان (الصل الأسود) يُنهي الحكاية بطريقةٍ مأساوية، إن لم تكن ملحمية.

يبدو الأمر كما لو أن فُقاعة «بشير الكُحلي» تنفجر في وجوهنا جميعًا في نهاية المطاف!

«بشير الكُحلي» هي مغامرة بالفعل، تتمرد على بعض الأطر التي التزم بها مينا عادل جيّد في أعماله السابقة، منذ كتابه «كنت طفلًا قبطيًّا في المنيا»، الصادر عام 2020، وأعماله الأدبية الأخرى مثل «نواحي البطرخانة»، و«بيت المساكين» و«جزيرة إلخ إلخ».

إعلان

إعلان

إعلان