إعلان

التنطع.. والتنطع المضاد

شريف بديع النور

التنطع.. والتنطع المضاد

شريف بديع النور
07:57 م الخميس 18 أغسطس 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

فيما يخص العلاقة بين الرجل والمرأة عانينا لقرون من مشايخ التنطع، الذين غالوا في تهميش المرأة وتشييئها لتصبح مجرد متاع في ضمن أملاك الرجل، حدث هذا ضمن سياق زمني وثقافي ومجتمعي مختلف، ولأن فتاواهم تدعم المجتمع الذكوري السائد، تعمد الكثير إبرازها وكأنها هي الدين ذاته، فالطاعة واجبه حتى العبادة، وصوت المرأة عوره ورأيها – مهما بلغ علمها – ناقص، وفي زماننا كان المتنطعون من المتحدثين باسم الدين يغوصون في كتب السلف فقط ليبحثوا عن كل ما يؤكد أفكارهم.

اليوم انتشر التمرد على هذه الأفكار، تمرد واجب بالمناسبة، فما كان مسلما به قبل ألف سنة قد لا يكون صالحا في زماننا هذا، لا أتحدث عن القواعد الإلاهية وإنما عن الأفكار والفتاوى والاجتهادات البشرية، كبار الفقهاء أنفسهم هم من وضعوا تلك القاعدة عندما أقروا أن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان وحال السائل، وهي قاعدة يتغافل عنها – عمدًا – المتنطعون والمتفلسفون ومن والاهم، يرددونها فقط ثم يملأون الآذان صراخا بوجوب تقليد السلف!

المهم، مع صعود الموجه الجديدة والتي تطالب بحقوق للمرأة، بدلا من الرجوع للفطرة والتفكير السليم ضمن السياق المجتمعي الحالي، ففي زماننا هذا الحديث عن أفضلية شخص على شخص لمجرد نوعه أو عرقه أو لونه هو شيء من العبث، بدلا من الوقوف أمام الآيات القرآنية التي تساوي بين الرجل والمرأة، بدلا من شرح الأحاديث الصحيحة التي تنصف المساواة بين الاثنين، بدلا من وضع أفكار جديدة تتماشى مع زماننا، ظهر جيل جديد ممن يتحدثون باسم الدين، قرروا العمل بنفس الكتالوج السابق، غاصوا في كتب السلف ليخرجوا بفتاوى شاذة أخرى، فالرجل يجب أن يدفع أجرة لزوجته على إرضاعها لابنها وعلى إعدادها الطعام وهو المسئول منفردا على الانفاق في المنزل وتجهيزه وغيرها من الفتاوى التي تبتغي الترند.

المشكلة هنا يا مولانا أن نفس الكتاب الذي نقلت منه هذا الكلام هو من يقول إن المرأة إذا مرضت لا يجب على زوجها دفع مصاريف علاجها وأنه يجب عليه فقط إعطائها من الطعام ما يسد جوعها ولها كسوة واحدة في الصيف وأخرى في الشتاء ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه ويجوز له تأديبها وضربها، لماذا تغافلت عن هذه الأفكار يا مولانا؟

المصيبة هي ترديد بعض ممن يظنون في أنفسهم التنوير الكلام السابق وكآنه فتح وانتصار للمرأة، فبمجرد أن يظهر واحد من المشايخ بمثل هذه التصريحات حتى تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وكأن هناك أخيرا من ظهر لينتصر للمرأة ويعيد لها حقها الضائع، مع إن بعض التفكير يجعل هذه الأفكار مرفوضة وخارج سياق الزمن.

فالأفكار التي يروج لها المتنطعون الجدد من نفس المنبع، تنتمي لنفس السياق الذي يعتبر المرأة – شيء – ضمن ممتلكات الرجل، أين المساواة إذا خذت الأم أجرا على إرضاع ابنها؟ هل هي أمه أم خادمته؟ إذا كان الزوج فقط هو المسئول عن الإنفاق في المنزل، والزوجة تأخذ أجره على كدها فيه بالإضافة لإنفاقه عليها، كيف تكون مساوية له إذن؟ كيف ستنكر عليه حق الطاعة العمياء؟ اعقلوها .

إذن ما الحل؟ في رأيي هو هجر الأفكار ضمن سياقها كاملة، التفكير بروح العصر، بما يقتضيه الواقع وترتضيه الأطراف، رفض الأفكار الشاذة جملة واحد بدون انتقاء، والبعد عن المتنطعين من الطرفين، فالاثنين يبحثون عن ركوب الترند، والفريقان قررا بارادتهما الحرة أن يلغوا عقولهم ويتفرغوا لترديد اللامعقول طمعا في كسب اللايك والشير والظهور، كيف لنا أن نظن في هؤلاء القدرة على التفكير والتجديد؟!

لماذا اسميتهم متنطعين؟ يعرف الشيخ الخطابي المتنطعين بقوله "المُتَنطِّع: المتعمق في الشيء، المُتكلِّفُ البحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم" وداوني بالتي كانت هي الداء.

مازال للحديث بقية..

إعلان

إعلان

إعلان