إعلان

أيام رمضان .. ذاكرة الصيام الأول

د.هشام عطية عبد المقصود

أيام رمضان .. ذاكرة الصيام الأول

د. هشام عطية عبد المقصود
07:13 م الجمعة 25 مارس 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

سيبدو الأمر بعيدا في الزمان وأيضا ربما قريبا جدا في الذاكرة التي تستبقي ما أحبت نابضا أبدا، إنها نسبية الأشياء إذ نقيسها على مدرج السنوات حينا وعلى تاريخ ما تحفظه الذاكرة باقيا حينا آخر وهكذا البشر، أول أيام رمضان صياما تؤرخه الذات بعيدا في الزمان وقريبا في الوجدان، لتقول حقا ما أسرع تلك التي يسمونها دورة عجلة الأيام؛ إذ تعدو على حوائط وجدران العمر فتحصد الأرقام وتترك أثر الذكريات التي نهوى وهجاً لا ينطفئ.

سيكون يوما رمضانيا صيفيا حارا، تغيب دوما أو تبهت ذكريات رمضان الشتائية التي عشناها وصمناها، وتظل ذاكرة رمضان صيفا باقية، هل لأن وقت الصيام في الشتاء قصير لا يحمل معاناة ما أو مشقة ظاهرة ويمر سريعا، أو لأن الصيف الرمضاني الذي عرفناه احتشد بمسرات الأجازة الصيفية ورفقة الأصحاب أطفالا وسهرات تمتد لايقطعها التوام بدراسة أو امتحانات، ومهما تغيرت مسميات الفصول في كتب الجغرافيا، والتي هي ليست بدقتها المناخية وتوصيفها الذي ربما تم استيراده من الغرب وتطبيقه على مناخنا دون تعديلات تلائم مقتضى الأحوال المناخية.

هو يوم حار يوصيك أبوك بالسحور فالنهار طويل جدا، ستستمع لذلك نصف منتبه فالصبا يغري بقوة المجابهات، وستعده بذلك وستسهر طوال الليل لعبا وجريا مع أصدقاء الشارع حتي ترهق تماما، وبينما تستلقي قليلا على كنبة في الحجرة التي تلحق بها بلكونة مطلة على فضاء الشارع الواسع المبتهج بالحضور الرمضاني، ستخلد فورا وسريعا إلى نوم يسبق فترة السحور وآذان الفجر، فيشفق عليك أبواك من الصيام فلازلت غضا، ثم حتى لا تحتج يوقظانك هونا فلا تستجيب، ثم حين تصحو ويكون المقام ما قبل الظهيرة إلا قليلا ستبدي غضبا كيف لم يوقظك أحد في السحور، وسيكون ذلك داعما لذاتك التي تختار وتمضي دأبا فتقرر ألا تنام كل ليالي الشهر الكريم قبل السحور والفجر.

كانت لذلك الزمان طقوس ما برحت تتلاشى أو يتم استبدالها رويدا، أولها طقوس إعداد الإفطار، والذي يبدأ مبكرا ويتم توزيع الأدوار فيه بدقة ودون كلمات، فهذا مهمته أن يحضر الخبز الطازج يوميا دون عذر ازدحام الأفران، طابور طويل تستغرب تماما أنه وبالضبط قبل دقائق من توقيت أذان المغرب ينتهي، ستعرف أنه صار مجالا للمسامرة فترة ما بعد العصر وقبل المغرب وهي فترة اشتداد أثر الصوم، حيث يتجمع الأولاد داخل الطابور يقفون ويتحدثون وكذلك تفعل دوائر الشباب والكبار، ربما هو طابور مسامرة أكثر منه طابور انتظار الخبز طازجا.

ثم ينطلق آخر نحو محل المخللات والطرشي البعيد نسبيا عن البيت وحين يتأخر فيصل أيضا مع صوت موعد مدفع الإفطار وهو ما يتكرر كل يوم- فقد كان في موضع مسامرته الرمضانية اليومية أيضا - ينطلق نداء السخرية: "ماهو محل الطرشي اللي جنبنا كويس ولا الشيخ البعيد سره باتع" لن يواجه النداء اليومي هذا سوي الصمت ثم تكرار ذات المشوار كل يوم، وكان سره "باتع" حقا وجدا، فهو مخلل لذيذ مختلف، ثم لم يكن حينها قد تصدي البعض لبيان الأثر الخطير والمريع لعلاقة المخللات بالإفطار في رمضان.

يهتم ثالث بالمشروبات التي ما أكثرها والتي لم يكن قد انضم إليها مطلقا مشروبات الحملات الإعلانية التي تسعى لإقناعك أنها ومع شربها وحدها تكون لمة رمضان حقا أو أنك تستعيدها، كانت مشروبات تشبه ما ألفه الناس تمرا وخروبا وعرقسوس، لم يكن الناس قد انشغلوا أو تلبستهم بإلحاح أفكار "الهيلثي" المستغرقة المكثفة فتنطلق جدليات التحذير بأن العرقسوس على الإفطار ضار، ربما أيضا كانت بساطة الأشياء جدارا يقي من قلق كون صنف طعام أو كثرته تضر أو ما يأتي في السياق، تلك كانت ستبدو ترهات لو تحدث أحدهم بشأنها فالناس مشغولون بالبسيط والمتاح والذي كان لذيذا شهيا طازجا لم تشوبه شوائب وصفات الطعام الجاهزة والموحدة، ولم تتدخل فيه توصيات الطهاة بينما ينفردون تعليما بالمشاهدين، أو يوصي به هذا الشيف الذي صار خبيرا فيما هو معلوم بالضرورة عند أجيال عرفت وذاقت واستطعمت.

هل يجرؤ أحد على التغيب عن مائدة رمضان اليومية بحجة ما؟!، ينتظم طقس يومي حيث يتحلق الجميع وتمتد الأيدي مع انطلاق نداء الله أكبر، تتجه نحو المشروبات والمياة تشرب بلا توقف، تفعل ذلك فورا حتى يباغتك نداء طيب "طيب كل أي حاجه" وقتها لن تجد مكانا لحاجة أو أي حاجة، بل تريد أن تهب مسرعا لتلحق بمجموعة الأصدقاء التي تتشكل فور انتهاء الإفطار على أول الشارع، تلك التي تصنع من الأوقات زمن بهجة، تتحلق لتفكر وتتدبر خريطة حضور الدورات الرمضانية المتنوعة التي تقام في الميادين وساحات المدارس المجاورة، ففي هذا اليوم سيلعب نجم فريق نادي البلاستيك المعروف، وفي هذه الدورة يلعب ضمن فريق الأمل اللاعب المنتقل حديثا من نادي السكة الحديد إلى الأهلي، كما أن ثلاثي خط وسط فريق إسكو سيشارك في الدورة التي تتم الساعة العاشرة في ملعب المدرسة الإعدادية، هكذا يدور المساء تتخلله فواصل الذهاب إلى محلات العصير فربما يمنحنا كوب مشروب السوبيا الأبيض الناصع المثلج طاقة على المواصلة.

سيكون أول يوم صيام هذا إيذانا بأنك صرت كبيرا، رجلا، لن يصح بعد ذلك أن تنصت لنداءات أو نصائح أنك مازلت صغيرا على الصيام أو أنه فلتصم يوما وتفطر آخر، في هذا اليوم ستجلس على المائدة كشخص كامل الأهلية وستُمنح لك على المائدة كل طقوس واهتمام تُخصص دوما للكبار.

إعلان

إعلان

إعلان